العراق

دولية

محلية

رياضية

صحة وجمال

ثقافة



في زمن النظام السابِق، كان حزب الدعوة الإسلامية يرتسم في أغلَب المخيال الاحتجاجي الشعبي الشيعي العراقي بصورة فائِقةُ المثاليَّة : عمق فكري أصيل / بطولة إيمانية مبدئية / مشروع إنساني عراقوي . فما أن تذكر الدعوة حتى تتداعى في ذاكرتك صورة محمد باقر الصدر (1935-1980) وعبد الصاحِب دخيل (1930-1973) كرمزين أسطوريين للمعرفة والبطولة والنزاهة، وتستعيد : " فلسفتنا واقتصادنا والمدرسة القرآنية والإسلام يقود الحياة والأسس المنطقية للإستقراء " كإيقونات معرفيَّة، وتستدعي تاريخ طويل من الصراع الايديولوجي مع السلطات، ومواقف الصمود في أقبية التعذيب والذوبان مع المبادئ في أحواض التيزاب . وقد عشتُ ذلك بكل تفاصيله، على مدى (23) سنة، في قلب العراق، لا خارِجه، عندما كان لفظُ اسم الدعوة ومجرد التهمة به تعني التشرد والاعتقال والتعذيب الإعدام، وفي تلك الفترة قرأتُ تاريخه وسير رجالاته وتراثه الفكري بأجمعه !!!!
.....
إلا إنَّ حزب الدعوة الذي وصفتهُ كان مرتبطاً بواقع حزب الدعوة الإسلامية في المرحلة العراقية : (1957-1980)، مِن التأسيس إلى استشهاد الصدر العظيم، أما واقع الحزب في مرحلة الخارِج : (1980-2003)، فكان – بسبب القطيعة التواصلية – خارِج الذاكرة والعقل والوجدان إلا كظِلال للمرحلة العراقية، إذ لم تكن المعرفة بشخصياته ونشاطاته متاحة، بل ممنوعة، فباستثناء شذرات بسيطة هنا وهناك لا تتوفر معلومات عنه، ولذلك كان يَحضر في المخيال بتاريخه لا بواقعه، وبتطاول الزمن وتصاعد القمع والبؤس، ازدادت صورته التاريخية المخيالية مِثاليَّة، وازدادت التوقعات والتطلعات إلى مرحلة عودته برجالات غاية في السلامة والقوة والمبدئية والنزاهة، وعقليات تُترجِم الفكر الصدري - بعمق وإبداعية ومرونة ونقدية وواقعية ودولتية - لبناء دولة عادلة قوية نزيهة، تُخرِج الناس من واقعهم الكارثي إلى حياة الرفاهية الكريمة السعيدة !!!!
.....
جاء التغيير، وتوثَّبت التوقعات، وحانت لحظة الحقيقة في (2003)، فقَدِمَت وجوه جديدة شَدَّت العيون الباحثة عن الصدر والدخيل، كذوات وفكر ومواقف . تعاقَبَت السنوات وحزب الدعوة يوظف رصيده الرمزي في استقطاب الناس، فصور محمد باقر الصدر تصدَّرت المكاتب الرسمية وغير الرسمية، وصور شهدائه السابقين ملأت الشوارع، باسم الصدر وعشرات الدماء الزكية النازفة عبر عقود من الصراع الفكري والسياسي مع السلطات صَعَدَ الدعويون إلى منصات السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتغلغلوا في كل مفاصِل الدولة، ولا زالوا – حتى هذهِ اللحظة – يوظفون ذلك الرصيد الرمزي ! 
مرَّت السنوات، وحزب الدعوة في قمة هرم السلطة، والبلد ينجرف – سنة بعد أخرى – نحو هاوية مُرعبة، فساد شامل، حروب عبثية وموت هائل، تداعي كل المؤسسات الدولتية، شلل كامل في الصناعة والزراعة والتجارة، رثاثة فائقة في السياسة الداخلية والخارجية، تعملق البؤس والفقر والتمزق الاجتماعي، تدهور مخيف في المكانة الاقليمية والدولية للوطن والمواطن، وبتعبير كمال الحيدري : " أنتجوا فساداً ما بعده فساد في تاريخ العراق " !
وخلال ذلك لم يكن هناك – مطلقاً – وجود لحزب الدعوة الإسلامية الفكري العقائدي، بل شخصيات مُتعالية تعتقد وتردد – على نحو زائِف متصلب - بأنها الأعلم والأحكَم والأنزه، بينما هي لا تمتلك سوى اللفظية الخطابية الجوفاء، مع حضور طاغٍ للانتهازية والتسلطية والدوغماتية، فلا عمق فكري، ولا نزاهة مبدئية، بل العكس المطلق، رجال لا يفهمون أبسط مفاهيم الحياة، وغير قادرين على إدارة أبسط المؤسسات، مشغولون بمصالحهم وحاشيتهم، على حساب الملايين المعذبة، أسقطوا حياة ومكانة العراق، فسقطوا، ماتوا في الوعي والوجدان الشعبي، وبالنتيجة أسقطوا حزب الدعوة الذي يتحدثون باسمه ويدعون تمثيله، فكانوا سلطة – بالضبط – كما قال الصدر العظيم عن السلطة البعثية في ندائه الثالث : " إنَّ هؤلاء المُتسلطين قد امتهنوا حتى كرامة حزب البعث العربي الاشتراكي (حزب الدعوة الإسلامية)، حيث عملوا من أجل تحويله من حزب عقائدي إلى عِصابة " (14-19/7/1979) ! وبذلك حَدَث : السقوط المُدوّْي !!
.....
كثيرةٌ هي الدواعي التي دعتني لكتابةِ هذا المنشور، أهمها السحق المهول للإنسان العراقي، وثانيها الاعتزاز بالتراث الرمزي لحزب الدعوة الإسلامي، الذي شوَّهَهُ التافهون عبر المُتاجَرة بفكر ودماء رجالاته العِظام !!! يُحزنني أن أرى الجماهير العراقية المُحتجَّة وهي تُحرِق مكاتِب حزب الدعوة، ويغمرني الغَضَب والقَرَف عند سماع القيادي الدعوي عامر الخُزاعي يقول : " هؤلاء معتدين، مجرمين، آثمين، ويجب التصدي لهم بقوَّة ... كل جهة تصعد على أي مكتب لحزب الدعوة أو لأي مكتب إسلامي ثم تمزق صور الشهيد محمد باقر الصدر، هذه جهة إما داعشية أو بعثيَّة، وسيتم القصاص منهم " !!! أيُّ نذالةٍ هذهِ !!!!!! ألم تكتفوا من المتاجرة بفكر ودماء الصدر العظيم ؟! لقد أشبعتموه طعناً وتشويهاً وقتلاً، وأسقطتم تاريخاً من النضال الدامي لشخصيات عظيمة وحزب كبير !! أنتُم الداعشيون والبعثيون في الجوهر، وأنتم المعتدون المجرمون الآثمون الذين يجب التصدي لكم بقوة والقصاص منكم، وأولئِك الفتية – حتى وإن لم نتفق مع بعض أفعالهم – هم الدعويون في الجوهر، لقد سرقتم حياتهم وكرامتهم ووطنهم ومستقبلهم، وتركتموهم نهباً للموت والفقر والمهانة، وما خرجوا إلا للبحث عن أمل العدالة، ولا أشكُّ – لثانية واحدة – إنَّ الصدر العظيم لو كان حيَّاً لكان في مُقدِّمتهم، وأوَّل من ينزِع صِوَرَهُ عن واجهات مكاتبكم وجدران غُرفكم المُترَفَة !!!!!!!!!

About وكالة عيون الاخبارية

This is a short description in the author block about the author. You edit it by entering text in the "Biographical Info" field in the user admin panel.
«
Next
رسالة أحدث
»
Previous
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

Post a Comment


Top